إنجاز الطالبة الباحثة ماستر الفلسفة والممارسات النقدية: سلمى سعيدي
تمهيد:
لطالما عرفت الرواية بأسلوبها النثري الشاعري المميز، الذي يأسر الوجدان ويحكم الذوق الجمالي، فتضحى وكأنها قطعة حلوة سهلة الابتلاع. على عكس النصوص الفلسفية المجردة، التي تخاطب العقل بنوع من الصرامة، إلا أنها رغم اختلافها هذا، تبقى الرواية ذات حكمة فلسفية تحاكي الواقع وتصفه في شتى أبعاده الوجودية. بذلك يمكن القول إن الرواية هي حمل لفلسفة بطريقة فنية مميزة، يجد فيها القارئ السهولة والاستئناس، وملامسة لروحه، بل وتغييرا لفكره. فالرواية قد تستطيع حمل تغيير شخصي لا يستطيع تقديمه كتاب فلسفي. لذلك عرف الزمن المعاصر العودة للكتابة الفلسفية الروائية بقدر عظيم.
تأسيسا على ما تقدّم، يمكن عدُّ رواية “الزنبقة السوداء” لألكسندر دوما، تجليا تاما لهذا الموقف. فقد يراها القارئ شيئا عاديا، لكن من تمعن في معانيها، سيجد فيها فلسفة حياتية معاشة من طرف البطل وباقي الشخصيات، فالرواية تحمل في طياتها قيما عديدة: كالسعادة والأمل والتفاؤل وكثيرا من الجمال/ وكذا حب القدر، بالإضافة إلى الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية، والزهد والتسامي. علاوة على من يناقض الشخصيات التي حملت نبلا، واتصف بالحقد والغيرة وجعله محركا لحياته.
نسج ألكسندر دوما روايته الزنبقة السوداء في قالب قدري مميّز ليحكي لنا قصة “كرونوليوس فان بيرل”، الشاب الهولندي الذي أراد العيش بسلام وطمأنينة بعيدا عن ضجيج السياسة وصخب الأضواء، متمسكا بوصية أبيه: “كن سعيدا”. أبوه المتوفى متحسرا على إضاعة وقته على التجارة رغم كسبه للمال، قبل أن يتوفاه الموت فترتقي روحه ويفنى جسده. فلطالما يموت الناس قهرا من اختياراتهم الخاطئة، قبل أن يضمحل جثمانهم فيفقدون معنى الحياة.
بناء على هذا، فكرونوليوس اختار أن يكون لحياته معنى مهما ساق له القدر من مآسي، على خلاف توجه أبيه، ومنفذا لوصيته التي أدركها في لحظاته الأخيرة، فاعتزل الطب وأضحى يشتغل باستنبات زنبقات مختلفة الألوان، فكان مبدعا فيها لأنه اشتغل بشيء مولوع به، ويجد فيه جمالا وأنسا لروحه.
فقد وضع نُصب عينيه، هدف استنبات زنبقة سوداء داكنة اللون، وهو شيء نادر، إذ إن الذي يستطيع بلوغ هذه الغاية، فإن الدولة ستمنحه الجائزة الكبرى. إنها زنبقة سوداء ستكشف عن خبايا بشرية، فهي زنبقة فريدة ستعطي شرارة الإبداع والإلهام، زنبقة سوداء ستكون جسر العبور من حال إلى حال.
كرونوليوس فان بيرل، الرجل السعيد في عالم قلة هم السعداء ، هكذا وصفه ألكسندر دوما في أحرف روايته، دليلا على أن كرونوليوس أحب أن يكون سعيدا فسار على درب السعادة. لكن، هل السعادة معطى جاهز لنا من حياة قوامها التناقضات؟ إن السعادة إدراك سامٍ يدركه الإنسان، وحتى في خضم أحلك أيامه يحاول أن يحافظ عليها. وكرونوليوس وجد السبيل لسعادته وبلغ سلاما روحيا في أكبر تحديات وعراقيل حياته.
قد تكون الحياة تسير بمسار مطمئن حتى يبعث شيء لم يكن في الحسبان، فالراوي يطرح فلسفة حياة وجودية لشخصية أحبت قدرها وخلقت لنفسها نجاة من كل ضنك بطريقتها الخاصة، من بعد أن كانت مطمئنة وتعرقلت حياتها.
حياة كرونوليوس كانت هادئة في يوم تتلألأ فيه أشعة الشمس، يعيش مسار حياة كما ألفها بطمأنينة تامة في الحديقة مع زنبقاته البنية والحمراء الداكنة، التي يوليها عناية خاصة، هنا يخترق مسار الرواية مجموع من الشخصيات، الصديق السياسي الملاحق بتهم دولية خطيرة، والجار الحقود المراقب بصمت لكرونوليوس، هذا الأخير الذي تركت عنده رسائل حكومية من صديقه بها ورطة لا يعلمها. وهنا خُطِّط له من طرف من يكن له غيرة مخافة التفوق عليه فأبلغ عنه. قتل الصديق جون دي ويث، وقبض على كرونوليوس الذي أودع السجن وليس معه سوى بذور زنبقاته المغلفة بورقة إنقاذه.
بهذا، فعبثية الحياة قد تسوق لك عقابا على شؤون لست أنت المسئول عنها، وتضعك في جب أقدار لم تتوقعها. ففان بيرل الذي قدر عليه أن يسجن بعد أن نجى من الإعدام بأعجوبة، كيف له أن يكون سعيدا في خضم هذه الأحداث؟ لعل حب القدر، إن صح التعبير، كان يملأ صدره. فكم من أحداث نظن بها شرا فتكون في جوهرها كل خير. فما الخير الذي كَنَّه هذا الحدث لفان بيرل؟
من الحديقة المزهرة بالحياة إلى زنزانة ضيقة، حيث أصبحت الحرية مكبلة، لكن السجن لم يكبح جماح الطموح وعزيمة الاستمرار. فحب الحياة لا يزال قائما في روح من يجد لها معنى، حتى في أحلك الأوقات. فالسجن يبدو رمزا للشؤم والتعاسة، لكنه عند فان بيرل كان رمز الصداقة والحب. فهناك تعرف على “روزا” ابنة السجان، الفتاة الشقراء الجميلة. فقد أصبح يعلمها القراءة والكتابة ليظهر نبل أخلاقه وسمو عقله. فالسجين هو من صفدت أفكاره ومعارفه، والحر هو من نشر علمه ومعرفته. روزا كسبت ثقة كرونوليوس فان بيرل وأسرت قلبه فأمنها على زنبقاته لتغرسها وترعاها، لأنه لو أراد فعل ذلك بنفسه، فلا تربة تغرس فيها الزنابق ولا شمس يمكن أن تصلها. فمن داخل أسوار معتمة، لا حياة فيها يمكن أن يمنح السبيل لزنبقاته لتحيا، حتى وإن لم يغرسها بأنامل أصابعه وأعطى العنان لحلمه ليتحقق.
أراد فان بيرل، تحقيق هدف سام باستنباته لزنبقاته، وربح الجائزة، ألا وهو مساعدة الفقراء. فقد حرر خلال سجنه، وصية باسم روزا لحصولها على الجائزة، شريطة أن تتزوج شخصا طيبا يضمن الاعتناء بها.
بهذا، فلكل فكرة سبيل لتتحقق، ولكل هدف دربه لأن يحيا. لكن، فلأي فكرة حقيقية وهدف قابل للازدهار، عقبات تعرقل مسير تحقُّقِه، وذواتٍ ترغب بدفنه قبل حتى أن يبزغ للعلن. هذا ما مثله دور الجار “بوكستل” في رواية دوما، إذ جعله الروائي رمزا من رموز الشر في حياة فان بيرل، فقد لاحقه هذا الأخير حتى السجن، وسطى على الزهرة التي استنبتتها روزا.
فبعدما ارتأت روزا، أن حلم فان بيرل قد يضيع هباء منثورا، وتعبه سيجني ثماره شخص آخر غيره، بل شخص طالما أذاه، قررت رد الجميل (جميل تعليمها القراءة والكتابة، جميل المشاعر النبيلة من ثقة وحب وحسن الصداقة) ولو بشيء بسيط، بتضحية صغيرة ولو بمجهود قليل. فهي هنا قد تحلت بسمو أخلاقي، إذ لحقت ببوكستل وأثبتت الشرعية لصاحب الزنبقة الأصلية.
الصبر مفتاح الفرج، فكرونوليوس لم يلعن حظه أو غضب تجاه مكتوب حياته، بل تقبله وتعايش معه بسلام تام، لعل هذا ما كان سبيل الإفراج عنه. فالزنبقة التي كانت سبب ما قد جرى له، ولو بطريقة غير مباشرة، هي نفسها ستكون سببا غيَّر حاله إلى ما هو أفضل. فبفضلها تم تبرئة كرونوليوس، لأن الورقة التي غلفت بها بذرة الزنبقة، تحمل حروف البراءة وعدم درايته بالرسائل.
إن العلم والإبداع، على أي حال، سيعود فضلهما على صاحبهما، مثل نموذج كرونوليوس في الرواية، فلولا علمه لما تحرر من مصيبته تلك، ولما كانت نهايته جميلة بقدر جمال قلبه الذي حمل في طياته الخير، فطبقت عليه الكارما الشرقية؛ فما أعطاه من خير عاد عليه بشكل من الأشكال. وهي نفسها طبقت على من حمل في قلبه الشر فلاقى عواقبه.
المنبر تيفي | جريدة إلكترونية مغربية مستقلةموقع ووردبريس عربي آخر