مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود الساحة السياسية بإقليم الرحامنة إلى تسجيل حركية ملحوظة داخل عدد من الأحزاب، تتجسد في تكثيف الاجتماعات، واستقطاب الوجوه الجديدة، وعقد اللقاءات التواصلية، وإعادة ترتيب التوازنات الداخلية. مشهد يتكرر بشكل يكاد يصبح ثابتا مع كل موعد انتخابي، لكنه يطرح سؤالا جوهريا: لماذا ترتفع وتيرة العمل الحزبي خلال المواسم الانتخابية، بينما يتراجع حضور العديد من التنظيمات السياسية خلال باقي السنوات؟
هذا السؤال لا يرتبط بإقليم الرحامنة فقط، بل يعكس إشكالا أعمق يطال العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وبين العمل السياسي ووظيفته الأصلية. فالحزب السياسي، وفقا لأدواره الطبيعية، ليس مجرد آلية لخوض الانتخابات والوصول إلى المؤسسات المنتخبة، بل إطار دائم للتأطير، وإنتاج الأفكار، ومواكبة التحولات الاجتماعية، والدفاع عن قضايا المواطنين بشكل مستمر.
غير أن الواقع يبرز، في كثير من الأحيان، تحول بعض الأحزاب إلى ما يشبه “آلات انتخابية” تستعيد نشاطها مع اقتراب الاستحقاقات، حيث تصبح الأولوية لإعادة تشكيل التحالفات، واستقطاب الأعيان والوجوه المؤثرة انتخابيا، أكثر من الاستثمار في بناء قواعد حزبية مؤطرة أو إنتاج نقاش سياسي حقيقي حول التنمية المحلية.
وفي إقليم الرحامنة، الذي يعرف تحولات تنموية واجتماعية متسارعة خلال السنوات الأخيرة، كان من المنتظر أن تواكب الأحزاب هذه التحولات عبر فتح نقاشات عمومية حول التشغيل، والاستثمار، والشباب، والبنيات الأساسية، والتعليم، والصحة، وتدبير الموارد المحلية. لكن ما يلاحظه جزء من المتتبعين هو أن النقاش السياسي يعود بقوة غالبا عند اقتراب الانتخابات، في حين تتراجع الدينامية خلال الفترات الأخرى، ما يساهم في اتساع الهوة بين المواطن والعمل الحزبي.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أنه يرسخ لدى المواطنين، خاصة الشباب، تصورا مفاده أن السياسة مرتبطة أساسا بالمنافسة على المقاعد والمواقع، لا بكونها ممارسة يومية لصناعة الحلول والترافع من أجل التنمية. ومع تراكم هذا الإحساس، تتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، وتزداد نسب العزوف السياسي، لأن المواطن لا يبحث فقط عن خطاب انتخابي، بل عن حضور مستمر ومرافعة دائمة عن قضاياه.
كما أن التحركات السياسية التي تسبق الانتخابات غالبا ما تعكس إعادة تموقع أكثر مما تعكس مراجعات فكرية أو تنظيمية. إذ تصبح ظاهرة التنقل بين الأحزاب، وبروز التحالفات الظرفية، واستقطاب الأسماء ذات الوزن الانتخابي، مؤشرات على هيمنة منطق الحسابات الانتخابية على حساب بناء مشاريع سياسية واضحة المعالم. وهو ما يطرح سؤالا آخر حول مدى قدرة الأحزاب على إنتاج نخب مرتبطة بالفعل العمومي، لا فقط بالاستحقاقات الانتخابية.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال المشهد بالكامل في هذا الجانب، إذ توجد أحزاب وتنظيمات تحاول الحفاظ على حضور ميداني مستمر عبر التأطير والمواكبة. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في جعل هذا الحضور قاعدة عامة لا استثناء.
إن الرهان اليوم لم يعد مرتبطا فقط بمن سيفوز في الانتخابات المقبلة، بل بمن يستطيع إعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره التزاما يوميا تجاه المجتمع. فالأحزاب التي تكتفي بالحضور الموسمي قد تحقق مكاسب ظرفية، لكنها تخاطر بخسارة الأهم: ثقة المواطن.
وفي النهاية، يظل السؤال الذي يفرض نفسه بإقليم الرحامنة كما في باقي المناطق: هل تستطيع الأحزاب الانتقال من منطق “الاستنفار الانتخابي” إلى منطق الفعل السياسي المستمر؟ لأن مستقبل الممارسة السياسية لن يقاس فقط بعدد المقاعد المحصلة، بل بقدرتها على البقاء قريبة من المواطن حتى في الفترات التي لا تكون فيها صناديق الاقتراع حاضرة.
المنبر تيفي | جريدة إلكترونية مغربية مستقلةموقع ووردبريس عربي آخر