تستفيق الطفولة في المغرب، بين الفينة والأخرى، على وقع فواجع تهز الضمير الجمعي للمجتمع؛ جرائم اعتداء
واغتصاب متكررة تطال أطفالا في عمر الزهور، ذكورا وإناثا، في القرى كما في المدن. هذه الاعتداءات البشعة لا تشكل مجرد انتهاك لجسد الطفل النحيل، بل هي طعنة في عمق الأمن الحياتي والشخصي لأجيال المستقبل، وجريمة ضد الإنسانية تسائل التزامنا الجماعي بحماية الفئات الهشة.
إن هذا الوضع المقلق يسائل مباشرة المقاربة الحقوقية المعتمدة، فالمغرب كان من الدول السباقة إلى المصادقة على اتفاقية حقوق الطفل الصادرة في 20 نوفمبر سنة 1989، والتي دخلت حيز التنفيذ في 2 شتنبر 1990، رسميا في 21 يونيو 1993، كما صادق المغرب أيضا على البروتوكولين الاختياريين “المتعلقين بعدم إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وببيع الأطفال واستغلالهم في البغاء والمواد الإباحية” سنتي 2001 و 2002، إضافة إلى أن الدستور المغربي بدوره يضمن بشكل صريح الحق في السلامة الجسدية والأمان الشخصي للجميع.
بناء على ذلك، لم يعد مقبولا التعامل مع هذه الجرائم كحالات معزولة، بل يجب الانطلاق من مبدأ حقوقي ثابت وهو حماية الطفل باعتبارها مسؤولية سيادية وأخلاقية لا تقبل التراخي، مما يستدعي معه ملائمة القوانين الوطنية لتكون أكثر صرامة وردعا، وتوفير آليات حماية وتكفل حقيقية تفعل هذه الحقوق على أرض الواقع.
_ المقاربة الترابية من المركزية إلى العمق المحلي
لا يمكن صياغة حلول حقيقية دون استحضار المقاربة الترابية التي تراعي خصوصية كل مجال جغرافي في المغرب. فالطفل في الحواضر الكبرى يواجه مخاطر قد تختلف طبيعتها وسياقها عن تلك التي يواجهها الطفل في المداشر والقرى النائية.
في العالم القروي، غالبا ما يصطدم ضحايا الاعتداءات بجدار الصمت، ونقص الوعي القانوني، وبعد مراكز التبليغ والخدمات الطبية والنفسية. في المقابل، يواجه أطفال المدن مخاطر الفضاءات العشوائية والهدر المدرسي والشارع.
بناء على ذلك يتطلب الأمر :
1_ تفعيل دور الجماعات الترابية
عبر إدراج حماية الطفولة كأولوية في مخططاتها وبرامجها الترابية سواء ذات البعد المجالي او الترابي.
2- إحداث وحدات رصد محلية تهدف الى تقريب آليات التبليغ والدعم النفسي والقانوني من المواطنين، خاصة في المناطق الهشة.
3- تطوير شراكات ترابية بين السلطات الترابية المحلية والاقليمية، ومؤسسات التتشئة الاجتماعية وخاصة التربية والتكوين، وجمعيات المجتمع المدني النشيطة في الميدان، لضمان يقظة دائمة وبيئة مجتمعية واقية.
_ مقاربة الجناة العلاج النفسي كأداة وقائية.
إن المقاربة الدامجة لحماية الطفولة لا تقتصر على معالجة الآثار النفسية والجسدية للضحايا فحسب، بل يجب أن تتجه نحو المنبع لقطع دابر الجريمة لإن وجود هؤلاء المعتدين في المجتمع يعكس خللا نفسيا وسلوكيا عميقا يتطلب وضعهم في قلب البرامج العلاجية.
إن معاقبة الجاني بالحبس خطوة قانونية ضرورية للردع، لكنها تظل غير كافية إن لم ترافقها مقاربة علاجية وتأهيلية داخل المؤسسات السجنية وخارجها.
يجب التعامل مع هذه النفوس المريضة كخطر مستدام يقتضي التشخيص النفسي والعلاج السلوكي الصارم، لضمان عدم عودتهم لارتكاب هذه الفظائع مستقبلا، وحماية المجتمع من شرورهم.
_ خلاصة توجيهية : نحو استراتيجية وطنية دامجة لبيئة آمنة.
تأسيسا على ما سبق، أضحى من المستعجل الانتقال من مقاربة رد الفعل الموسمية إلى مقاربة الفعل الاستباقي المنظم. ويتطلب هذا صياغة استراتيجية وطنية دامجة لخلق بيئة آمنة للأطفال بالمغرب، ترتكز على الدعامات التالية :
_ الوقاية والمؤسسات عبر إدماج ثقافة التربية على السلامة الجسدية في المناهج التعليمية وتأهيل دور الشباب والمؤسسات الرعائية.
_ الردع القانوني والمواكبة من إجل تشديد العقوبات الجنائية ضد مغتصبي الأطفال، مع مأسسة الرعاية النفسية والاجتماعية المجانية والمستدامة للضحايا وأسرهم.
_ العدالة الترابية والمجالية في أفق تقليص الفوارق بين المدن والقرى في الولوج إلى مراكز حماية الطفولة وآليات الإشعار والتبليغ.
_ العلاج والتأهيل النفسي من خلال إحداث برامج علاجية إجبارية للمحكومين في قضايا الاعتداءات الجنسية ضد القاصرين لضمان سلامة البيئة المجتمعية.
إن أجساد أطفالنا النحيلة أمانة في عنق الدولة والمجتمع؛ والذود عن سلامتهم وأمانهم الشخصي وخلق بيئة سليمة تحميهم من كل الاخطار ليس ترفا فكريا، بل هو معركة كرامة وبناء لمغرب آمن ومستقر.
*خالد مصباح فاعل حقوقي وجمعوي ورئيس جمعية حركة التويزة ابن جرير.
المنبر تيفي | جريدة إلكترونية مغربية مستقلةموقع ووردبريس عربي آخر